ابن حجر العسقلاني
209
فتح الباري
أوله على البناء للمجهول تقدم في الهبة من رواية هشام بن زيد عن أنس أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجئ بها الحديث فعرف أن التي أهدت الشاة المذكورة امرأة وقدمت في المغازي أنها زينب بنت الحرث امرأة سلام بن مشكم أخرجه ابن إسحاق بغير إسناد وأورده ابن سعد من طرق عن ابن عباس بسند ضعيف ووقع في مرسل الزهري أنها أكثرت السم في الكتف والذراع لأنه بلغها أن ذلك كان أحب أعضاء الشاة إليه وفيه فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف فنهش منها وفيه فلما ازدرد لقمته قال إن الشاة تخبرني يعني أنها مسمومة وبينت هناك الاختلاف هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أو تركها ووقع في حديث أنس المشار إليه فقيل ألا تقتلها قال لا قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم كيفية الجمع بين الاختلاف المذكور ومن المستغرب قول محمد بن سحنون أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها ( قوله اجمعوا لي ) لم أقف على تعيين المأمور بذلك ( قوله أني سائلكم عن شئ فهل أنتم صادقوني عنه ) كذا وقع في هذا الحديث في ثلاثة مواضع قال ابن التين ووقع في بعض النسخ صادقي بتشديد الياء بغير نون وهو الصواب في العربية لان أصله صادقوني فحذفت النون للإضافة فاجتمع حرفا علة سبق الأول بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت ومثله وما أنتم بمصرخي وفي حديث بدء الوحي أو مخرجي هم انتهى وإنكاره الرواية من جهة العربية ليس بجيد فقد وجهها غيره قال ابن مالك مقتضى الدليل أن تصحب نون الوقاية اسم الفاعل وأفعل التفضيل والأسماء المعربة المضافة إلى ياء المتكلم لتقيها خفاء الاعراب فلما منعت ذلك كانت كأصل متروك فنبهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل كقول الشاعر وليس الموافيني ليرتد خائبا * فإن له أضعاف ما كان أملا ومنه في الحديث غير الدجال أخوفني عليكم والأصل فيه أخوف مخوفاتي عليكم فحذف المضاف إلى الياء وأقيمت هي مقامه فاتصل أخوف بها مقرونة بالنون وذلك أن أفعل التفضيل شبيه بفعل التعجب وحاصل كلامه أن النون الباقية هي نون الوقاية ونون الجمع حذفت كما تدل عليه الرواية الأخرى بلفظ صادقي ويمكن تخريجه أيضا على أن النون الباقية هي نون الجمع فإن بعض النحاة أجاز في الجمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات على النون مع الواو ويحتمل أن تكون الياء في محل نصب بناء على أن مفعول اسم الفاعل إذا كان ضميرا بارزا متصلا به كان في محل نصب وتكون النون على هذا أيضا نون الجمع ( قوله من أبوكم قالوا أبونا فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبتم بل أبوكم فلان فقالوا صدقت وبررت ) بكسر الراء الأولى وحكى فتحها وهو من البر ( قوله نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها ) بضم اللام مخففا أي تدخلون فتقيمون في المكان الذي كنا فيه وضبطه الكرماني بتشديد اللام وقد أخرج الطبري من طريق عكرمة قال خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا لن ندخل النار إلا أربعين ليلة وسيخلفنا إليها قوم آخرون يعنون محمدا وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رؤوسهم بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد فأنزل الله تعالى وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة الآية ومن طريق ابن إسحاق عن سيف بن سليم عن مجاهد عن ابن عباس أن اليهود كانوا يقولون هذه الدنيا